ابن أبي أصيبعة
39
عيون الأنباء في طبقات الأطباء
أولا : دور الترجمة في ازدهار الفكر الإسلامي في العصر الذهبي : لعبت الترجمة دورا بارزا في نمو وازدهار الفكر الإسلامي في العصر الذهبي « 1 » وكان لها دورها في التعرف على علوم شعوب وحضارات أخرى واقتباس كل ما يناسب الفكر الإسلامي . وعادة تزدهر في عصور الحرية . . لكن من ناحية أخرى هناك ملاحظة نتفق معها وقد ذكرها من قبلنا الدكتور توفيق الطويل حيث يقول « 2 » : « الملاحظ أن عصور التزمت التي حاربت الفكر الأجنبي الدخيل ، وهاجمت المترجمين الذين ينقلونه إلى غير أرضه ، لم تستطع أن توقف الترجمة ولا أن تمنع تسلسل الفكر الغريب وتغلغله في الفكر الأصيل ، هذا ما يشهد به تاريخ العصر الذهبي للإسلام منذ مطلع العصر العباسي ، كانت علوم الأوائل ( أي اليونان ) من رياضيات وطبيعيات والهبات - بما فيها من فلسفة وطب وفلك . . . . وكانت عند المتشددين من رجال الدين مثارا للشكوك والريب ، ظنا منهم بأنها تهدد قواعد الإيمان الديني في نفوس المسلمين . . حتى الغزالي أشد الذين أنكروا الفلسفة وهاجموا أهلها ، كان يشكو من أن بعض المتشددين ينفرون من الحساب والمنطق ، لأنها من علوم الفلاسفة الملحدين مع أنهما لا يتعرضان للمذاهب الدينية أدنى تعرض . . ولكن المتشددين وصفوا علوم اليونان بأنها حكمة مشوبة بكفر ، واعتبروا طرق البرهان الأرسطية خطرا على صحة العقائد الدينية فقالوا أن « من تمنطق تزندق » . لكن هذا كله لم يمنع من اهتمام المسلمين البالغ بترجمة التراث اليوناني منذ القرن الثاني للهجرة ( الثامن للميلاد ) « 3 » ونشط المترجمين في نقله منذ مطلع العصر العباسي . وحظى
--> ( 1 ) عادة يقصد بالعصر الذهبي للحضارة والثقافة الإسلامية ذلك العصر المبتدأ بالعصر العباسي الأول في منتصف القرن الثامن الميلادي ، حتى القرن الثالث عشر الميلادي . ( 2 ) في كتابه في تراثنا العربي الإسلامي سلسلة عالم المعرفة - الكويتية 1985 - ص 71 ، 72 . ( 3 ) يقول الدكتور حسام الآلوسي يمكن أن نشير إلى أن الفلسفة اليونانية تمثلت بين مفكرينا كما يلي : 1 - الاتجاه الأرسطى : وأقرب من يمثله - ابن رشد ، وتمثل عناصره من طبيعيات أرسطو ومن أخلاقه وما وراء طبيعياته في معظم المفكرين وخصوصا اتباع المدرسة الفيضية . وهذا الاتجاه كما يتمثل عند ابن رشد يقول بأن اللّه قديم ، والعالم قديم بمادته وصورته وزمنه ولكن اللّه . علة غائية بمعنى أنه المحرك له على سبيل العشق . كما ينكر البعث الروحي والجسدي الفرديين . 2 - الاتجاه الأفلاطونى : ويتمثل خالصا من الذرية في أبى البركات البغدادي ، ومع المذهب الذرى في ابن زكريا الرازي ومدرسة الهيولى . وهؤلاء يرون بأن « اللّه » صانع « العالم كما يصنع النجار الكرسي من الخشب أي أن اللّه صنع وصور الأشياء وتراكيبها من مادة أولى قديمة . وهم يرون الخلود الفردى بالنفس فقط . -